يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
130
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
من خلفه في طوله ، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب وردّ الباب ، فسقطت المرأة من الحياء ، فاستوثقت الباب ، ثم تقدّمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخل فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ، ثم صعدت إلى السطح فناديت الجيران ، فجاؤوني فقالوا : ما شأنك ؟ قلت : ويحكم زوّجني سعيد ابن المسيب بنته اليوم ، وقد جاء بها على غفلة ، فقالوا : سعيد بن المسيب زوّجك ؟ قلت : نعم وها هي في الدار . قال فنزلوا إليها ، وبلغ أمي فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها في ثلاثة أيام . قال : فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل الناس ، وإذا هي أحفظ الناس لكتاب اللّه ، وأعلمهم بسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأعرفهم بحق الزوج . قال : فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه ، فلما كان قرب الشهر أتيت سعيدا وهو في حلقته ، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام ولم يكلمني حتّى تقوّض أهل المجلس ، فلما لم يبق غيري قال : ما حال ذلك الإنسان ؟ قلت : خيرا يا أبا محمد ، على ما يحب الصديق ويكره العدوّ . قال : إن رابك شيء فالعصا . فانصرفت إلى منزلي فوجّه إليّ بعشرين ألف درهم . قال الراوي : وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولّاه العهد ، فأبى سعيد أن يزوّجه ، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصبّ عليه جرّة ماء وألبسه جبّة صوف ، وسيأتي خبره ولم ضرب ، ومن ضرب معه . ونوع من هذا في فرار الأولياء من الأغنياء : قصة الحسن بن أبي الحسن البصري رضي اللّه عنه . قال حميد الطويل رحمه اللّه : خطب رجل إلى الحسن فكنت أنا السفير بينهما ، قال وكان قد رضيه ، فذهبت يوما أثني عليه بين يديه ، فقلت : يا أبا سعيد وأزيدك أنّ له خمسين ألف درهم ، قال : له خمسون ألفا اجتمعت من حلال ؟ قلت : يا أبا سعيد إنه ما علمت لورع مسلم ، قال : إن كان جمعها من حلال فقد ضنّ بها عن حقّ ، لا واللّه لا يجري بيني وبينه صهر أبدا . وأغرب من هذا حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه وكان فقيها عالما حكيما ، كان يقول فيه يزيد بن معاوية : إن أبا الدرداء من الحكماء الذين يشفون من الداء ، كانت له بنت خطبها يزيد بن معاوية فردّه ، فقال رجل من جلسائه : أصلحك اللّه ، أتأذن لي أن أتزوّجها ؟ قال : اعزب ويلك ، قال : ائذن لي أصلحك اللّه ، قال : نعم ، قال : فخطبها فأنكحها أبو الدرداء الرجل ، فسار ذلك في الناس أنّ يزيد خطب إلى أبي الدرداء فردّه ، وخطب إليه رجل من ضعفاء المسلمين فأنكحه . قال : فقال أبو الدرداء : ما ظنّك بالدرداء إذا قامت على رأسها الخصيان ونظرت في بيوت يلتمع فيها بصرها أين دينها